محمد متولي الشعراوي
9520
تفسير الشعراوي
الموقف الثاني : أما أصحاب الموقف الآخر فكانوا يتهيَّبون من هذه المسألة خشية أن يقولوا بنظرية لم تثبت بَعْد ، ويلتمسون لها شاهداً من كتاب الله ، ثم يثبُت بطلانها بعد أنْ ربطوها بالقرآن . والموقف الحق أن هناك فرقاً بين نظرية علمية ، وحقيقة علمية ، فالنظرية مسألة محلّ بحث ومحلّ دراسة لم تثبت بَعْد ؛ لذلك يقولون : هذا كلام نظري أي : يحتاج إلى ما يؤيده من الواقع ، أمّا الحقيقة العلمية فمسألة وقعتْ تحت التجربة ، وثبت صدقها عملياً ووثقنا أنها لا تتغير . فعلينا - إذن - أَلاَّ نربط القرآن بالنظرية التي تحتمل الصدق أو الكذب ، حتى لا يتذبذب الناس في فَهْم القرآن ، ويتهمونا أننا نُفسِّر القرآن حَسْب أهوائنا . أمّا الحقيقة العلمية الثابتة فإذا جاءت بحيث لا تُدفَع فلا مانعَ من ربطها بالقرآن . من ذلك مسألة كروية الأرض ، فعندما قال بها العلماء اعترض كثيرون وأثاروها ضجة وألَّفوا فيها كتباً ، ومنهم مَنْ حكم بكفر مَنْ يقول بذلك ؛ لأن هذه المسألة لم ينص عليها القرآن . فلما تقدم العلم ، وتوفرتْ له الأدلة الكافية لإثبات هذه النظرية ، فوجدوا الكواكب الأخرى مُدوَّرة كالشمس والقمر ، فلماذا لا تكون الأرض كذلك ؟ ! كذلك إذا وقفتَ مثلاً على شاطئ البحر ، ونظرتَ إلى مركب قادم من بعيد لا ترى منها إلا طرفَ شراعها ، ولا ترى باقي المركب إلا إذا اقتربتْ منك ، عَلامَ يدلُّ ذلك ؟ هذا يدل على أن سطح الأرض ليس مستوياً ، إنما فيه تقوُّس وانحناء يدل على كُرويتها . فلما جاء عصر الفضاء ، وصعد العلماء للفضاء الخارجي ، وجاءوا للأرض بصور ، فإذا بها كُروية فعلاً ، وهكذا تحولتْ النظرية